الحمد لله وحده والصلاة والسلام على مَن لا نبي بعده، وعلى آله، وأصحابه أجمعين ومَن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
أما بعد، فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “بدأ الإسلامُ غريبًا وسيعود غريبًا، فطوبى للغرباء“.
وأخرج الإمام ابن ماجةَ وغيره عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: “إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا، فطوبى للغرباء“.
وأخرج أيضًا عن ابن مسعود- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا، فطوبى للغرباء“. قيل: ومن الغرباء؟ قال: “النُّزَّاع من القبائل“.
وفي رواية عند الإمام الترمذي: “فطوبى للغرباء الذين يُصلحون ما أفسد الناس من بعدي من أمتي“. وروى ابن عمر مثل هذا عند مسلم، كما روى سعد بن أبي وقاص مثل هذا عند الإمام أحمد والبزار وأبي يعلي بسندٍ رجالُه رجالُ الصحيح.
هذا الحديث الجليل الذي خرج من فم أصدق مَن أقلت الأرض، وأظلت السماء رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فيه معانٍ كريمة وجليلة، أقف مع حضراتكم على بعضها؛ لعل الله- تبارك وتعالى- ينفعنا بها ويكتب لنا شفاعة صاحبها صلى الله عليه وسلم.
أولاً: ما معنى “بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا“؟
المعنى الأول: فسَّر بعض العلماء هذه العبارة؛ بأن الإسلامَ في أول أمره كان وحيدًا لا أهل عنده لقلته، والغريب هو المنفرد عن جنسه، فيسمَّى الإنسان الذي سكن في غير بلده ومع غير عائلته غريبًا؛ لأنه مع غير جنسه، كما تسمى الكلمة الوحشية التي لم يألفها الناس كلمةً غريبةً، وهكذا المنفرد عن جنسه يسمى غريبًا، وكأنَّ الإسلام لمَّا كان المؤمنون به في بداية الأمر قلة، عُدُّوا كالغرباء بين أهلهم، وسيعود في آخر الزمان غريبًا، يقلّ أهله كما كانوا قلَّة عند ظهوره.
المعنى الثاني: قال بعض العلماء: معناه أنه بدأ غريبًا عن البلد التي نشأ فيها صاحب الرسالة- صلى الله عليه وسلم- وبدأ فيها نزول الوحي، فالإسلام لم يظهر في مكة، وإنما بدأ غريبًا، أي بدأ انتشاره وظهوره من المدينة حين هاجر إليها النبي- صلى الله عليه وسلم- وكأنَّ المعنى: ابتدأ الإسلام بصحبة القرن الأول الغريب والبعيد عن الوطن وهم الأوس والخزرج.
ويرى الإمام مالك- رحمه الله- أن معنى (بدأ الإسلام غريبا) أي بدأ في المدينة، وسيعود إليها، وكأنه استدل على ذلك بما جاء في الحديث الصحيح: “إن الإيمان ليأْرِز إلى المدينة كما تأْرِز الحيةُ إلى جحرها“، ومعنى يأرز إلى المدينة: يجتمع وينضم إلى المدينة، يقول بعض العلماء: لأنه في أول الإسلام كان كل مَن خلص إيمانه وصح إسلامه أتى المدينة حتى يكثر سواد المسلمين، ولم يكن يحل لمسلم أن يقيم بين ظهراني المشركين، فكان المسلمون الأوائل يأتون إلى المدينة؛ إما مهاجرين مستوطنين، وإما متشوقين لرؤية رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وإما متعلمين منه الإسلام ومتقربين منه، ثم بعده جاءوا إلى الخلفاء والصحابة؛ ليتلقوا منهم العلم والدين، ويأخذوا عنهم سيرة العدل، ويقتدوا بجمهورهم، ثم بعد ذلك كان علماء المدينة هم الذين يأتي إليهم الناس ويأخذون عنهم السنن، فكان ثابت الإيمان منشرح الصدر بالإيمان يرحل إلى المدينة، وإلى زماننا هذا لا يزال الناس يرحلون إلى المدينة لزيارة مسجد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وزيارة قبره الشريف والتبرك بآثاره صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
فمعنى “بدأ الإسلام غريبًا“ على هذا القول: أنه بدأ بعيدًا عن موطنه الأصلي وهو المدينة و“سيعود غريبًا“ أي: سيعود في آخر عمره إلى موطنه الأصلي إما إلى المدينة أيضًا، وإما إلى موطن غريب عن البلاد الإسلامية.
ويقول بعض العلماء “بدأ الإسلام غريبًا“ أي: ظهر من البدو، وهو الظهور.
المعنى الثالث: يرى بعض العلماء أن “بدأ الإسلام غريبًا“ بأن مبادئ الإسلام كانت بالنسبة للقوم الذين ظهر فيهم مستغربة يعجبون منها؛ إذ إنهم كانوا على الشرك فلما جاءهم النبي بدعوة التوحيد قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) وَانطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنْ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6)﴾ (ص).
كانوا يرون أن الناس فئات بحسب أنسابهم وأحسابهم، فجاء الإسلام ليقول ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: من الآية 13) فاستغربوا هذا.
لقد كانت المعاني التي دعا إليها الإسلام غريبةً على أبي جهل، وأمثاله الذين ألفوا ألوان الشرك المختلفة، والذين لم يسمعوا من قبل بالتوحيد الخالص، والذين أذهلهم أن تساوي الدعوة بين بلال الحبشي، وأبي جهل القرشي، وأن تأتي بالحرية لكل الناس، وبالمساواة بين الخلق، وأن تأتي لتنادي بمبادئ العفة والطهارة وترك الخمور، وترك المنكرات، وغير ذلك من أخلاق الجاهلية، فكان ذلك غريبًا مستغربًا عند أبي جهل، وسيكون ذلك في آخر الزمان عند خلفاء أبي جهل، لشدة الفساد؛ يستغرب كثير من الناس مبادئ الإسلام.
ونلمح من هذا كيف يستغرب كثير من الناس في كثير من المجتمعات معاني العفة التي جاء بها الإسلام، ومعاني الطهارة التي جاء بها الإسلام، وكثير من معاني الإسلام يستنكف الناس عنها ويعجبون منها، ويراها بعضهم خارج الزمان والعصر.
المعنى الرابع: قيل “بدأ الإسلام غريبًا“، يعنى أن أهل الدين في الصدر الأول كانوا غرباء ينكرهم الناس، ولا يخالطونهم، بل وقاطعوهم كما هو معلوم في قضية الصحيفة التي كتبتها قريش، وقاطعت المسلمين، وكذلك في آخر الزمان سوف يتكالب الأعداء، ويحاولون أن يحصروا المؤمنين بهذا الدين ويضيقوا عليهم ويقاطعوهم فيكونون غرباء.
المعنى الخامس: يصح أن نقول: إنه كان غريبًا في سرعة انتشاره، فلم يمض على ظهور الإسلام ربع قرن حتى أصبح يملأ الجزيرة العربية كلها، وأجزاء كبيرة من الإمبراطوريتين العظيمتين (إمبراطورية فارس والروم)، وكان غزوه للنفوس أمرًا غريبًا عجيبًا، إذ إن أفكاره لاقت قبولاً عجيبًا عند كل فئات، وأجناس الناس المختلفة فكان ذلك غريبًا، وهكذا يكون الأمر في آخر الزمان.
هذه كلها أقوال للعلماء، وأرى والله أعلم أن هذه المعاني جميعًا قد تكون مقصودةً من كلام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وصحيحة.
من مظاهر غربة الإسلام:
1- يكون ثمة تضييق على الإسلام في بلاد الإسلام، ونحن نرى ذلك ونلمسه.
2- يعلو صوت الدعوة في غير بلاد الإسلام، ونحن نرى ذلك ونلمسه.
3- يكون هناك استغراب من دعوة الدعاة إلى العودة إلى الإسلام ويتعجب الناس من الدعوة إلى الرجوع إلى المنبع الصافي، ويسمونها أحيانًا رجعيةً، ويصمونها أحيانًا بالتخلف، ويتهمون الإسلام بالإرهاب، ويتعجبون أنه ما زال هناك ناس يؤمنون بمبادئ العفة والطهارة ويقدسون الأخلاق الكريمة، ويرفضون الأخلاق النفعية، ويحترمون القيم التي أمر الله بها، فهناك فئة كبيرة من الناس تتعجب لهذه العفة التي تملأ قلوب شباب الإسلام وتملأ قلوب الداعين إلى الإسلام، ويحصل استغراب لكثير من المبادئ الإسلامية نظرًا لامتلاء قلوب الناس بالفساد.
4- هناك طوائف غريبة كثيرة جدًّا تعادي الإسلام، وتواجهه مثلما كان يُحارب أول مرة، فحاربته العرب واليهود والفرس والروم، وتكالبت عليه القبائل والبلاد، إلا أنه كان انتشاره وخروجه من هذا الضيق أمرًا عجيبًا، وهكذا الإسلام اليوم، يتعرض لمآسٍ وضغوط من داخل بلاد الإسلام، ومن خارج بلاد الإسلام، من بعض أبنائه الجاهلين به ومن أعدائه المتربصين له، إلا أنه رغم ذلك يشق طريقه إلى قلوب الناس، ونرى انتشار الإسلام العجيب في نفوس الناس سواء في بلاد الإسلام، أو في غير بلاد الإسلام.
بشارة وتفاؤل: وكأني أرى بعد هذا العرض أن الحديث فيه بشارة بعلو الإسلام آخرًا كما علا أولاً، وبسرعة انتشاره آخرًا إن شاء الله كما كان أولاً، وبأنه سيتغلب على كل من يواجهونه آخرًا كما تغلب على كل من تصدى له أولاً، وسيكتب الله له الغلبة والانتشار رغم أنف الحاقدين والكارهين.
ثانيًا: طوبى للغرباء:
أما معنى قوله- صلى الله عليه وسلم- “فطوبى للغرباء“ فإن النبي- صلى الله عليه وسلم- يبشر الغرباء الذين يتعرضون لكل هذه الموجات من الإرهاب والتشكيك والغمز واللمز والاستغراب من الناس.
1- وهؤلاء الغرباء فسرهم النبي- صلى الله عليه وسلم- في بعض الأحاديث بأنهم “النُّزَّاع من القبائل“، والنزاع جمع نازع، وهم الذين نُزعوا عن أهلهم وعشيرتهم، وهم جماعة من قبائل شتى هاجروا إلى الله ورسوله كان فيهم العربي والحبشي والرومي والفارسي، مثلما كان أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الأولون، كان فيهم الأوسي والخزرجي والقرشي وغير القرشي، كانوا أصنافًا من قبائل شتى ومتعددة.
2- وقيل: الغرباء هم المهاجرون الذين هجروا أوطانهم، فالذين هجروا أوطانهم إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- هم الغرباء.
3- وفي رواية الترمذي فسر النبي- صلى الله عليه وسلم- الغرباء بأنهم الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعده من سنته.
4- وفي رواية من حديث عبد الله بن عمر عند أحمد والطبراني يفسر النبي- صلى الله عليه وسلم- الغرباء بأنهم أناس صالحون في أناس سوء كثير، مَنْ يعصيهم أكثرُ ممن يطيعهم.
5- وفي حديث سهل بن سعد عند الطبراني فسرهم النبي- صلى الله عليه وسلم- بأنهم هم الذين يصلحون عند فساد الناس، وهكذا فسرهم في حديث جابر عند الطبراني “الذين يصلحون إذا فسد الناس“.
وأرى أن هذه المعاني جميعًا مقصودة، وأن الغرباء الأوائل الذين حملوا هذا الدين الكريم كانوا من قبائل شتى، كانوا نزاعًا من القبائل، كانوا من أصناف متفرقة كان منهم العربي والحبشي والرومي والفارسي، وكذلك الذين يحملون هذا الدين اليوم، والذين يحملون هذه الرسالة في آخر الزمان، لا يحدهم جنس ولا لغة ولا طائفة، بل هم من قبائل شتى، ومن بلاد متعددة وبألسنة متعددة، لا يعرفون الفوارق التي صنعها الاستعمار بين بلاد الإسلام، فكل بلاد الإسلام بلادهم.
ولست أرى سوى الإسلام لي وطنًا الشام فيه ووادي النيل سِيَّانِ
وحيثما ذُكـر اسمُ الله في وطـن أعددتُ أرجاءَه من لبِّ أوطاني
هكذا يفهم حملة رسالة الإسلام اليوم الإسلامَ دينًا لا يتحيز لجنسيةٍ ولا لعصبيةٍ ولا للغة، إنما هو دين عالمي يدخله ويحمله كلُّ الناس من قبائل شتى، ومن نوازع متفرقة، وهذه علامة صحة الدعوة الإسلامية الآن.
ثم إن الغرباء الأوائل بالفعل كانوا أناسًا قليلين من الصالحين في وسط عالم مليء بأناس السوء المفسدين. وهكذا اليوم، حملة رسالة الإسلام هم أناس مصلحون قليل عددهم وسط ركام هائل من البشر الفاسدين والمفسدين، سواء منهم من كان في بلاد الإسلام أو كان خارج بلاد الإسلام.
ثم إن الغرباء الأوائل صلحوا حين فسد أبو جهل وأتباعه، وكذلك الصالحون اليوم أصلحوا أنفسهم في الوقت الذي جرى فيه الناس وراء شهواتهم ووراء ملذاتهم، في الوقت الذي فسد فيه الناس ماليًّا وسياسيًّا وإداريًّا واقتصاديًّا.
ثالثًا: الغرباء الأواخر أو غرباء العصر الحديث:
في الوقت الذي فيه نجد شبابًا أصلح ظاهره وباطنه، وأقبل على ربه، وعفَّ عن الحرام، وعفَّ عن أموال الناس، وعفَّ عما في أيدي الناس، وصار طاهر الطوية، في هذا الوقت نرى مَن حولهم أناسَ سوء كثيرين يمدون أيديهم بغير موجب، ويمدون أعينهم إلى ما في أيدي الناس بغير حق، ويجمعون ولا يشبعون.
ثم، وهذا هو الأعلى والأسمى في صفات هؤلاء الغرباء: يصلحون ما يفسد الناس من سنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.
نعم، في وسط هذا الجو الملبَّد بالأعداء، والملبَّد بالمؤامرات على الإسلام وأهله وقيمه ومبادئه، سواء من المسلمين الجاهلين أو من المنافقين، أو من أعداء الملة والدين، في الوقت الذي تتكالب فيه قوى كثيرة داخلية وخارجية على مواجهة المد الإسلامي وعلى مواجهة انتشار روح الإسلام ومبادئ الإسلام بين الأمة، في الوقت الذي تتكالب فيه كل هذه القوى، نجد حملة رسالة الإصلاح يشقون طريقهم ويضربون بأنوارهم كل ظلمات الفساد والغوغائية؛ ليشرحوا للناس حقيقة الإسلام، ويجمعوا الناس على طريق الله تبارك وتعالى، يصلحون ما أفسد الناس، يصلحون ما أفسد المسلمون الذين تركوا إسلامهم وما أفسد غيرهم.
نعم، هذه صورة طبيعية وحقيقية للغرباء الآخرين مثلما كانت هي صورة الغرباء الأولين الذين واجهوا كل تلك القوى بالصبر، والثبات والتصميم على حمل رسالة الإسلام حتى دخل الناس في دين الله أفواجًا.
وهكذا حملة رسالة الإسلام اليوم، يحملون رسالة الإصلاح للناس، ويسعون بها ثابتين واثقين من نصر الله تبارك وتعالى، لا يهمهم أن يستغرب الناس دعوتهم، ولا يهمهم أن تتكالب عليها كل القوى، ولا يهمهم أن تكثر المؤامرات التي تحاك لهم؛ لأن يقينهم بالله وثقتهم بالله، فهم ماضون حتى يبلغ الله بهم أمره، وهم الطائفة الظاهرة الذين لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك.
رابعًا: في الحديث بشرى بنصرة الإسلام والمسلمين:
وفي الختام أيها الأحبة، هذا الحديث أراه بشارة بعلو الإسلام ونصر الإسلام في آخر الزمان مثلما انتصر الإسلام في أول أمره.
وهو أيضًا دعوة للمسلم بأن يتمسك بإسلامه، وبخاصة في وقت الفتن، وحين يكثر المتآمرون على الإسلام، وحين يستغرب الفاسدون مبادئ الإسلام، وحين يواجه دعاة الرذيلة دعوات الفضيلة والعفة والطهارة التي يحملها الصالحون المصلحون.
هذا الحديث هو آية من آيات صدق هذا النبي الكريم الشريف؛ حيث تحقق ما أخبر به، وها نحن نرى غربة الإسلام في ديار الإسلام وفي غير ديار الإسلام، ولكنها ليست الغربة الدالة على القلة والذلة، بل هي الغربة المبشرة بعلو هذه الراية وبنصر هذه الرسالة.
نسأل الله أن يجعلنا من جند الإسلام العاملين، ومن حزبه المفلحين، وأن يثبتنا على الحق حتى نلقاه غير خزايا ولا نادمين، وأن يمكن لدينه في قلوب العباد، وأن يملأ به أقطار البلاد، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
فصل الغربة
قال شيخ الإسلام : باب الغربة قال الله تعالى : فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم .
استشهاده بهذه الآية في هذا الباب يدل على رسوخه في العلم والمعرفة وفهم القرآن ، فإن الغرباء في العالم هم أهل هذه الصفة المذكورة في الآية ، وهم الذين أشار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : بدأ الإسلام غريبا ، وسيعود غريبا كما بدأ ، فطوبى للغرباء ، قيل : ومن الغرباء يا رسول الله ؟ قال : الذين يصلحون إذا فسد الناس .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن زهير بن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن حنطب ، عن المطلب بن حنطب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : طوبى للغرباء ، قالوا : يا رسول الله ، ومن الغرباء ؟ قال : الذين يزيدون إذا نقص الناس .
فإن كان هذا الحديث بهذا اللفظ محفوظا لم ينقلب على الراوي لفظه وهو : الذين ينقصون إذا زاد الناس فمعناه : الذين يزيدون خيرا وإيمانا وتقى إذا نقص الناس من ذلك ، والله أعلم .
وفي حديث الأعمش ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الإسلام بدأ غريبا ، وسيعود غريبا كما بدأ ، فطوبى للغرباء ، قيل : ومن الغرباء يا رسول الله ؟ قال : النزاع من القبائل .
وفي حديث عبد الله بن عمرو قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم ونحن عنده طوبى للغرباء ، قيل : ومن الغرباء يا رسول الله ؟ قال : ناس صالحون قليل في ناس كثير ، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم .
وقال أحمد : حدثنا الهيثم بن جميل ، حدثنا محمد بن مسلم ، حدثنا عثمان بن عبد الله ، عن سليمان بن هرمز ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : قال : إن أحب شيء إلى الله الغرباء ، قيل : ومن الغرباء ؟ قال : الفرارون بدينهم ، يجتمعون إلى عيسى ابن مريم عليه السلام يوم القيامة .
وفي حديث آخر : بدأ الإسلام غريبا ، وسيعود غريبا كما بدأ ، فطوبى للغرباء قيل : ومن الغرباء يا رسول الله ؟ قال : الذين يحيون سنتي ويعلمونها الناس .
وقال نافع ، عن مالك : دخل عمر بن الخطاب المسجد ، فوجد معاذ بن جبل جالسا إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي ، فقال له عمر : ما يبكيك يا أبا عبد الرحمن ؟ هلك أخوك ؟ قال : لا ، ولكن حديثا حدثنيه حبيبي صلى الله عليه وسلم وأنا في هذا المسجد ، فقال : ما هو ؟ قال : إن الله يحب الأخفياء الأحفياء الأتقياء الأبرياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا ، وإذا حضروا لم يعرفوا ، قلوبهم مصابيح الهدى يخرجون من كل فتنة عمياء مظلمة .
فهؤلاء هم الغرباء الممدوحون المغبوطون ، ولقلتهم في الناس جدا ؛ سموا غرباء ، فإن أكثر الناس على غير هذه الصفات ، فأهل الإسلام في الناس غرباء ، والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء ، وأهل العلم في المؤمنين غرباء .
وأهل السنة الذين يميزونها من الأهواء والبدع فهم غرباء ، والداعون إليها الصابرون على أذى المخالفين هم أشد هؤلاء غربة ، ولكن هؤلاء هم أهل الله حقا ، فلا غربة عليهم ، وإنما غربتهم بين الأكثرين ، الذين قال الله عز وجل فيهم : وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ، فأولئك هم الغرباء من الله ورسوله ودينه ، وغربتهم هي الغربة الموحشة ، وإن كانوا هم المعروفين المشار إليهم ، كما قيل :
فليس غريبا من تناءت دياره ولكن من تنأين عنه غريب
ولما خرج موسى عليه السلام هاربا من قوم فرعون انتهى إلى مدين على الحال التي ذكر الله ، وهو وحيد غريب خائف جائع ، فقال : يا رب وحيد مريض غريب ، فقيل له : يا موسى الوحيد : من ليس له مثلي أنيس ، والمريض : من ليس له مثلي طبيب ، والغريب : من ليس بيني وبينه معاملة .
فالغربة ثلاثة أنواع : غربة أهل الله وأهل سنة رسوله بين هذا الخلق ، وهي الغربة التي مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلها ، وأخبر عن الدين الذي جاء به : أنه بدأ غريبا وأنه سيعود غريبا كما بدأ وأن أهله يصيرون غرباء .
وهذه الغربة قد تكون في مكان دون مكان ، ووقت دون وقت ، وبين قوم دون قوم ، ولكن أهل هذه الغربة هم أهل الله حقا ، فإنهم لم يأووا إلى غير الله ، ولم ينتسبوا إلى غير رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولم يدعوا إلى غير ما جاء به ، وهم الذين فارقوا الناس أحوج ما كانوا إليهم ، فإذا انطلق الناس يوم القيامة مع آلهتهم بقوا في مكانهم ، فيقال لهم : ألا تنطلقون حيث انطلق الناس ؟ فيقولون : فارقنا الناس ونحن أحوج إليهم منا اليوم ، وإنا ننتظر ربنا الذي كنا نعبده .
فهذه الغربة لا وحشة على صاحبها ، بل وآنس ما يكون إذا استوحش الناس ، وأشد ما تكون وحشته إذا استأنسوا ، فوليه الله ورسوله والذين آمنوا ، وإن عاداه أكثر الناس وجفوه .
وفي حديث القاسم ، عن أبي أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : عن الله تعالى إن أغبط أوليائي عندي : لمؤمن خفيف الحاذ ذو حظ من صلاته ، أحسن عبادة ربه ، وكان رزقه كفافا ، وكان مع ذلك غامضا في الناس ، لا يشار إليه بالأصابع ، وصبر على ذلك حتى لقي الله ، ثم حلت منيته ، وقل تراثه ، وقلت بواكيه .
ومن هؤلاء الغرباء : من ذكرهم أنس في حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم : رب أشعث أغبر ، ذي طمرين لا يؤبه له ، لو أقسم على الله لأبره .
وفي حديث أبي إدريس الخولاني ، عن معاذ بن جبل ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ألا أخبركم عن ملوك أهل الجنة ؟ قالوا : بلى يا رسول الله . قال : كل ضعيف أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره وقال الحسن : المؤمن في الدنيا كالغريب لا يجزع من ذلها ، ولا ينافس في عزلها ، للناس حال وله حال ، الناس منه في راحة وهو من نفسه في تعب .
ومن صفات هؤلاء الغرباء الذين غبطهم النبي صلى الله عليه وسلم : التمسك بالسنة ، إذا رغب عنها الناس ، وترك ما أحدثوه ، وإن كان هو المعروف عندهم وتجريد التوحيد ، وإن أنكر ذلك أكثر الناس ، وترك الانتساب إلى أحد غير الله ورسوله ، لا شيخ ولا طريقة ولا مذهب ولا طائفة ، بل هؤلاء الغرباء منتسبون إلى الله بالعبودية له وحده ، وإلى رسوله بالاتباع لما جاء به وحده ، وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقا ، وأكثر الناس بل كلهم لائم لهم .
فلغربتهم بين هذا الخلق : يعدونهم أهل شذوذ وبدعة ، ومفارقة للسواد الأعظم .
ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : هم النزاع من القبائل أن الله سبحانه بعث رسوله وأهل الأرض على أديان مختلفة ، فهم بين عباد أوثان ونيران ، وعباد صور وصلبان ، ويهود وصابئة وفلاسفة ، وكان الإسلام في أول ظهوره غريبا ، وكان من أسلم منهم واستجاب لله ولرسوله غريبا في حيه وقبيلته وأهله وعشيرته .
فكان المستجيبون لدعوة الإسلام نزاعا من القبائل ، بل آحادا منهم تغربوا عن قبائلهم وعشائرهم ، ودخلوا في الإسلام ، فكانوا هم الغرباء حقا ، حتى ظهر الإسلام وانتشرت دعوته ودخل الناس فيه أفواجا ، فزالت تلك الغربة عنهم ، ثم أخذ في الاغتراب والترحل ، حتى عاد غريبا كما بدأ ، بل الإسلام الحق الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه هو اليوم أشد غربة منه في أول ظهوره ، وإن كانت أعلامه ورسومه الظاهرة مشهورة معروفة ، فالإسلام الحقيقي غريب جدا ، وأهله غرباء أشد الغربة بين الناس .
وكيف لا تكون فرقة واحدة قليلة جدا غريبة بين اثنتين وسبعين فرقة ، ذات أتباع ورئاسات ومناصب وولايات ، ولا يقوم لها سوق إلا بمخالفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ فإن نفس ما جاء به يضاد أهواءهم ولذاتهم ، وما هم عليه من الشبهات والبدع التي هي منتهى فضيلتهم وعملهم ، والشهوات التي هي غايات مقاصدهم وإراداتهم ؟
فكيف لا يكون المؤمن السائر إلى الله على طريق المتابعة غريبا بين هؤلاء الذين قد اتبعوا أهواءهم ، وأطاعوا شحهم ، وأعجب كل منهم برأيه ؟ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ، حتى إذا رأيتم شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، ورأيت أمرا لا يد لك به ، فعليك بخاصة نفسك ، وإياك وعوامهم ، فإن وراءكم أياما صبر الصابر فيهن كالقابض على الجمر .
ولهذا جعل للمسلم الصادق في هذا الوقت إذا تمسك بدينه : أجر خمسين من الصحابة ، ففي سنن أبي داود والترمذي من حديث أبي ثعلبة الخشني قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية : ياأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم فقال : بل ائتمروا بالمعروف ، وتناهوا عن المنكر ، حتى إذا رأيت شحا مطاعا ، وهوى متبعا ، ودنيا مؤثرة ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، فعليك بخاصة نفسك ودع عنك العوام ، فإن من ورائكم أيام الصبر ؛ الصبر فيهن مثل قبض على الجمر ، للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله ، قلت : يا رسول الله أجر خمسين منهم ؟ قال : أجر خمسين منكم . وهذا الأجر العظيم إنما هو لغربته بين الناس ، والتمسك بالسنة بين ظلمات أهوائهم وآرائهم .
فإذا أراد المؤمن الذي قد رزقه الله بصيرة في دينه ، وفقها في سنة رسوله ، وفهما في كتابه ، وأراه ما الناس فيه من الأهواء والبدع والضلالات وتنكبهم عن الصراط المستقيم الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فإذا أراد أن يسلك هذا الصراط فليوطن نفسه على قدح الجهال وأهل البدع فيه ، وطعنهم عليه ، وإزرائهم به وتنفير الناس عنه وتحذيرهم منه ، كما كان سلفهم من الكفار يفعلون مع متبوعه وإمامه صلى الله عليه وسلم ، فأما إن دعاهم إلى ذلك ، وقدح فيما هم عليه : فهنالك تقوم قيامتهم ويبغون له الغوائل وينصبون له الحبائل ويجلبون عليه بخيل كبيرهم ورجله .
فهو غريب في دينه لفساد أديانهم ، غريب في تمسكه بالسنة لتمسكهم بالبدع ، غريب في اعتقاده لفساد عقائدهم ، غريب في صلاته لسوء صلاتهم ، غريب في طريقه لضلال وفساد طرقهم ، غريب في نسبته لمخالفة نسبهم ، غريب في معاشرته لهم ؛ لأنه يعاشرهم على ما لا تهوى أنفسهم .
وبالجملة : فهو غريب في أمور دنياه وآخرته لا يجد من العامة مساعدا ولا معينا فهو عالم بين جهال ، صاحب سنة بين أهل بدع ، داع إلى الله ورسوله بين دعاة إلى الأهواء والبدع ، آمر بالمعروف ناه عن المنكر بين قوم المعروف لديهم منكر والمنكر معروف .
النوع الثاني من الغربة غربة مذمومة وهي غربة أهل الباطل وأهل الفجور بين أهل الحق
ا فهي غربة بين حزب الله المفلحين وإن كثر أهلها فهم غرباء على كثرة أصحابهم وأشياعهم ، أهل وحشة على كثرة مؤنسهم ، يعرفون في أهل الأرض ، ويخفون على أهل السماء .
النوع الثالث : غربة مشتركة لا تحمد ولا تذم
وهي الغربة عن الوطن ؛ فإن الناس كلهم في هذه الدار غرباء ، فإنها ليست لهم بدار مقام ، ولا هي الدار التي خلقوا لها ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما : كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل . وهكذا هو في نفس الأمر ؛ لأنه أمر أن يطالع ذلك بقلبه ويعرفه حق المعرفة ، ولي من أبيات في هذا المعنى :
وحي على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم ولكننا سبي العدو فهل ترى
نعود إلى أوطاننا ونسلم وأي اغتراب فوق غربتنا التي
لها أضحت الأعداء فينا تحكم وقد زعموا أن الغريب إذا نأى
وشطت به أوطانه ليس ينعم فمن أجل ذا لا ينعم العبد ساعة
من العمر إلا بعد ما يتألم
وكيف لا يكون العبد في هذه الدار غريبا ، وهو على جناح سفر ، لا يحل عن راحلته إلا بين أهل القبور ؟ فهو مسافر في صورة قاعد ، وقد قيل :
وما هذه الأيام إلا مراحل يحث بها داع إلى الموت قاصد
وأعجب شيء لو تأملت أنها منازل تطوى والمسافر قاعد
الاغتراب : أمر يشار به إلى الانفراد عن الأكفاء .
يريد : أن كل من انفرد بوصف شريف دون أبناء جنسه ، فإنه غريب بينهم ؛ لعدم مشاركه أو لقلته .
قال : وهو على ثلاث درجات ؛ الدرجة الأولى : الغربة عن الأوطان ، وهذا الغريب موته شهادة ، ويقاس له في قبره من مدفنه إلى وطنه ، ويجمع يوم القيامة إلى عيسى ابن مريم عليه السلام .
لما كانت الغربة هي انفراد ، والانفراد إما بالجسم وإما بالقصد والحال وإما بهما كان الغريب غريب جسم ، أو غريب قلب وإرادة وحال ، أو غريبا بالاعتبارين .
قوله : ” وهذا الغريب موته شهادة ” يشير به إلى الحديث الذي يروى عن هشام بن حسان ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : موت الغريب شهادة ولكن هذا الحديث لا يثبت ، وقد روي من طرق لا يصح منها شيء ، قال الإمام أحمد : هذا حديث منكر .
وأما قوله : ” ويقاس له في قبره من مدفنه إلى وطنه ” فيشير به إلى ما رواه عبد الله بن وهب : حدثني حيي بن عبد الله ، عن أبي عبد الرحمن البجلي ، عن عبد الله بن عمرو قال : توفي رجل بالمدينة ممن ولد بالمدينة فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : ليته مات في غير مولده فقال رجل : ولم يا رسول الله ؟ فقال : إن الرجل إذا مات قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة رواه ابن لهيعة ، عن حيي بهذا الإسناد ، وقال : وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبر رجل بالمدينة ، فقال : يا له لو مات غريبا ، فقيل : وما للغريب يموت بغير أرضه ؟ فقال : ما من غريب يموت بغير أرضه ، إلا قيس له من تربته إلى مولده في الجنة .
قوله : ويجمع يوم القيامة إلى عيسى ابن مريم ، يشير إلى الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا الهيثم بن جميل ، حدثنا محمد بن مسلم ، حدثنا عثمان بن عبد الله بن أوس ، عن سليمان بن هرمز ، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب شيء إلى الله الغرباء . قيل : وما الغرباء يا رسول الله ؟ قال : الفرارون بدينهم يجتمعون إلى عيسى ابن مريم يوم القيامة .
قال : الدرجة الثانية : غربة الحال ، وهذا من الغرباء الذين طوبى لهم ، وهو رجل صالح في زمان فاسد بين قوم فاسدين ، أو عالم بين قوم جاهلين ، أو صديق بين قوم منافقين .
يريد بالحال هاهنا : الوصف الذي قام به من الدين والتمسك بالسنة ، ولا يريد به الحال الاصطلاحي عند القوم ، والمراد به : العالم بالحق ، العامل به ، الداعي إليه .
وجعل الشيخ الغرباء في هذه الدرجة ثلاثة أنواع : صاحب صلاح ودين بين قوم فاسدين ، وصاحب علم ومعرفة بين قوم جهال ، وصاحب صدق وإخلاص بين أهل كذب ونفاق ، فإن صفات هؤلاء وأحوالهم تنافي صفات من هم بين أظهرهم ، فمثل هؤلاء بين أولئك كمثل الطير الغريب بين الطيور ، والكلب الغريب بين الكلاب .
والصديق هو الذي صدق في قوله وفعله ، وصدق الحق بقوله وعمله ، فقد انجذبت قواه كلها للانقياد لله ولرسوله ، عكس المنافق الذي ظاهره خلاف باطنه وقوله خلاف عمله .
قال : الدرجة الثالثة : غربة الهمة ، وهي غربة طلب الحق ، وهي غربة العارف ؛ لأن العارف في شاهده غريب ، ومصحوبه في شاهده غريب ، وموجوده لا يحمله علم أو يظهره وجد ، أو يقوم به رسم ، أو تطيقه إشارة ، أو يشمله اسم غريب ، فغربة العارف غربة الغربة ؛ لأنه غريب الدنيا والآخرة .
إنما كانت هذه الدرجة أعلى مما قبلها ؛ لأن الغربة الأولى غربة بالأبدان . والثانية : غربة بالأفعال والأحوال . وهذه الثالثة : غربة بالهمم . فإن همة العارف حائمة حول معروفه ، فهو غريب في أبناء الآخرة ، فضلا عن أبناء الدنيا ، كما أن طالب الآخرة غريب في أبناء الدنيا .
قوله : ” لأن العارف في شاهده غريب ” شاهد العارف : هو الذي يشهد عنده وله بصحة ما وجد وأنه كما وجد ، وبثبوت ما عرف وأنه كما عرف .
وهذا الشاهد : أمر يجده من قلبه ، وهو قربه من الله ، وأنسه به ، وشدة شوقه إلى لقائه وفرحه به ، فهذا شاهده في سره وقلبه .
وله شاهد في حاله وعمله ، يصدق هذا الشاهد الذي في قلبه .
وله شاهد في قلوب الصادقين ، يصدق هذين الشاهدين ، فإن قلوب الصادقين لا تشهد بالزور ألبتة ، فإذا أخفي عليك شأنك وحالك ، فاسأل عنك قلوب الصادقين ؛ فإنها تخبرك عن حالك .
قوله : ” ومصحوبه في شاهده غريب ” مصحوبه في شاهده ؛ هو الذي يصحبه فيه من العلم والعمل والحال ، وهو غريب بالنسبة إلى غيره ممن لم يطق طعم هذا الشأن ، بل هو في واد وأهله في واد .
وقوله : وموجوده لا يحمله علم إلى آخره .
يريد بموجوده : ما يجده في شهوده وجدانا ذاتيا حقيقيا في هذه المراتب المذكورة ؛ لأن الشهود يشملها كلها حالة المشاهدة .
فأما ما يحمله العلم : فهو أحكام العلم التي متى انسلخ منها انسلخ من الإيمان .
وموجوده في هذه المشاهدة في هذا الحال ، هو إصابته وجه الصواب الذي أراده الله ورسوله بشرعه وأمره ، وهذه الإصابة غريبة جدا عند أهل العلم ، بل هي متروكة عند كثير منهم ، فليس الحلال إلا ما أحله من قلدوه ، والحرام ما حرمه ، والدين ما أفتى به ، يقدم على النصوص ، وتترك له أقوال الرسول والصحابة وسائر أهل العلم .
قوله : ” أو يظهره وجد ” الوجد : يظهر أمورا ينكرها من لم يكن له ذلك الوجد ، ويعرفها من كان له ، وهذا الوجد إن شهد له العلم بالقبول وزكاه ، فهو وجد صحيح ، وإلا فهو وجد فاسد وفيه انحراف .
والمقصود : أن ما يظهره وجد هذا العارف بالله وأسمائه وصفاته وأحكامه غريب على غيره ، بحسب همته ومعرفته وطلبه .
قوله : ” أو يقوم به رسم ” الرسم : هو الصورة الخلقية وصفاتها وأفعالها عندهم ، والذي يقوم به هذا الرسم هو الذي يقيمه من تعلق اسم القيوم به ، فإن القيوم هو القائم بنفسه الذي قيام كل شيء به ؛ أي : هو المقيم لغيره ، فلا قيام لغيره بدون إقامته له ، وقيامه هو بنفسه لا بغيره .
ويحتمل أن يريد به معنى آخر ، وهو ما يقوى رسمه على القيام به ، فإن وراء ذلك ما لا يقوى رسم العبد على إظهاره ولا القيام به ، وهذا أظهر المعنيين من كلامه ، وسياقه إنما يدل عليه ، ولهذا قال بعد ذلك : أو تطيقه إشارة ؛ أي : لا تقدر على إفهامه وإظهاره إشارة ، فتنهض الإشارة بكشفه .
ثم قال : أو يشمله رسم ، يعني : أو تناله عبارة .
فذكر الشيخ خمس مراتب ؛ الأولى : مرتبة حمل العلم له . الثانية : مرتبة إظهار الوجد له . الثالثة : مرتبة قيام الرسم به . الرابعة : مرتبة إطاقة الإشارة له . الخامسة : مرتبة شمول العبارة له .
ومقصوده : أن موجود العارف أخفى وأدق من موجود غيره ، فهو غريب بالنسبة إلى موجود سواه ، وأخبر : أن موجوده في هذه المراتب غريب ، فكيف بموجوده الذي لا يحمله علم ، ولا يظهره وجد ، ولا يقوم به رسم ، ولا تطيقه إشارة ، ولا تشمله عبارة ؟ فهذا أشد غربة .
قوله : ” فغربة العارف : غربة الغربة ” و ” الغربة ” أن يكون الإنسان بين أبناء جنسه غريبا ، مع أن له نسبا فيهم .
وأما غربة المعرفة : فلا يبقى معها نسبة بينه وبين أبناء جنسه إلا بوجه بعيد ؛ لأنه في شأن والناس في شأن آخر ، فغربته غربة الغربة .
وأيضا فالصالحون غرباء في الناس ، والزاهدون غرباء في الصالحين ، والعارفون غرباء في الزاهدين .
قوله : لأنه غريب الدنيا وغريب الآخرة .
يعني : أن أبناء الدنيا لا يعرفونه ؛ لأنه ليس منهم ، وأهل الآخرة العباد الزهاد لا يعرفونه ؛ لأن شأنه وراء شأنهم ، همتهم متعلقة بالعبادة ، وهمته متعلقة بالمعبود مع قيامه بالعبادة ، فهو يرى الناس والناس لا يرونه ، كما قيل :
تسترت من دهري بظل جناحه
فعيني ترى دهري وليس يراني
فلو تسأل الأيام ما اسمي لما درت
وأين مكاني ما عرفن مكاني
Read also




جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه رضي الله عنهم وسألهم مبتدأ أبي بكر ماذا تحب من الدنيا ؟ فقال ابي بكر ( رضي الله عنه) أحب من الدنيا ثلاث الجلوس بين يديك – والنظر اليك – وإنفاق مالي عليك وانت يا عمر ؟ قال احب ثلاث :… امر بالمعروف ولو كان سرا – ونهي عن المنكر ولو كان جهرا – وقول الحق ولو كان مرا وانت يا عثمان ؟ :قال احب ثلاث اطعام الطعام – وافشاء السلام – والصلاة باليل والناس نيام وانت يا علي ؟ قال احب ثلاث: اكرام الضيف – الصوم بالصيف – وضرب العدو بالسيف ثم سأل أبا ذر الغفاري: وأنت يا أبا ذر: ماذا تحب في الدنيا ؟ قال أبو ذر :أحب في الدنيا ثلاث الجوع؛ المرض؛ والموت فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم): ولم؟ فقال أبو ذرأحب الجوع ليرق قلبي؛ وأحب المرض ليخف ذنبي؛ وأحب الموت لألقى ربي فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) حبب إلى من دنياكم ثلاث الطيب؛ والنساء؛ وجعلت قرة عيني في الصلاة وحينئذ تنزل جبريل عليه السلام وأقرأهم السلام وقال: وانأ أحب من دنياكم ثلاث تبليغ الرسالة؛ وأداء الأمانة؛ وحب المساكين؛ ثم صعد إلى السماء وتنزل مرة أخرى؛ وقال : الله عز وجل يقرؤكم السلام ويقول: انه يحب من دنياكم ثلاث لساناً ذاكراً ؛ و قلباً خاشعاً ؛و جسداً على البلاءِ صابراً
أجمل ما قيل في الصبر والتصبر
الإمام الشافعي:
دع الأيام تفعـل مـا تشـاء
وطب نفسا” إذا حكم القضـاء
ولا تجزع لحادثـة الليالـي
فمـا لحـوادث الدنيـا بقـاء
وكن رجلا” على الأهوال جلدا
وشيمتك السماحـة والوفـاء
وإن كثرت عيوبك في البرايا
وسرّك أن يكون لها غطـاء
تستـر بالسـخـاء فـكـل
عيب يغطيه كما قيل السخـاء
ولاتـر للأعـادي قــط ذل
فإن شماتـة الأعـداء بـلاء
ولاترج السماحة من بخيـل
فما في النار للظمـآن مـاء
ورزقك ليس ينقصه التأنـي
وليس يزيد في الرزق العناء
ولاحـزن يـدوم ولاسـرور
ولا بؤس عليـك ولارخـاء
إذا ما كنـت ذا قلـب قنـوع
فأنت ومالـك الدنيـا سـواء
ومن نزلت بساحتـه المنايـا
فـلا أرض تقيـه ولاسمـاء
وأرض الله واسعة ولكـن إذا
نزل القضاء ضاق الفضـاء
قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه :
اصبر على مضض الادلاج في السحر
وفي الرواح الى الطاعات في البكـر
إنـي رأيـت وفـي الأيـام تجربـة
للصبـر عاقبـة محمـودة الأثــر
وقـل مـن جـد فـي أمـر يؤلمـه
واتصحب الصبـرإلا فـاز بالظفـر
وقال أحمد بن عاصم الأنطاكي :
هون عليك فكل الأمر ينقطع
وخل عنك ضباب الهم يندفع
فكل هم له من بعـده فـرج
وكل كرب إذا ضاق يتسـع
إن البلاء وإن طال الزمان به
الموت يقطعه أو سوف ينقطع
قال محمد بن بشر :
إن الأمور إذا استدت مسالكهـا
فالصبر يفتح منها كـل مرتجـا
لا تيأسن وإن طالـت مطالبـة
اذا استعنت بصبر أن ترى فرجا
وقال زهير بن أبي سلمة :
ثلاث يعز الصبر عند حلولهـا *ويذهل عنها عقل كل لبيب
خروج اضطرار من بلاد يحبها * وفرقة إخـوان وفقد حبيب
وقال آخر :
عليك بإظهار التجلـد للعـدا
ولا تظهرن منك الذبول فتحقرا
أما تنظر الريحان يشمم ناظرا
ويطرح في البيدا إذا ما تغيرا
قال آخر
الدهر أدبني والصبر ربانـي
والقوت أقنعني واليأس أغناني
وحنكتني من الأيـام تجربـة
حتى نهيت الذي قد كان ينهاني
قال آخر :
إذا ما أتاك الدهـر يومـا بنكبـة
فافرغ لها صبرا ووسع لها صدرا
فإن تصاريـف الزمـان عجيبـة
فيوما ترى يسرا ويوما ترى عسرا
قال آخر :
ما أحسن الصبر في الدنيا وأجمله
عند الإله وانجـاه مـن الجـزع
من شد بالصبر كفا عند مؤلمـة
ألوت يداه بحبـل غيـر منقطـع
قول الشاعر من أروع ما قيل:
يا صاحب الهم إن الهم منفرج
أبشر بخير فإن الفـارج الله
اليأس يقطع أحيانا بصاحبـه
لا تيأسـن فـإن الكافـي الله
الله يحدث بعد العسر ميسـرة
لا تجزعن فـإن القاسـم الله
إذا بليت فثق بالله وارضَ به
إن الذي يكشف البلوى هو الله
والله مالك غير الله من أحـد
فحسبك الله في كـلٍ لـك الله
يقول أحد الشعراء /
تنكر لي دهـــــــري ولم يدر أنني
أعز وأحداث الزمان تهــــــــــون
فبات يريني الخطب كيف اعتداؤه
وبت أريه الصبر كيف يكـــــون
****
ويقول آخر :
كن حليماً إذا بليت بغيظ
وصبوراً إذا أتتك مصيبة
فالليالي من الزمان حبالى
مثقلات يلدن كل عجيبة
****
وهنا ثالث يقول :
وإذا مسك الزمـــــــــان بضر
عظمت دونها الخطوب وجلت
وأتت بعده نوائب أخــــــــرى
سئمت نفسك الحيــــــاة وملت
فاصبر وانتظر بلوغ الأمـاني
فالرزايــــــــا إذا توالت تولت
****
وهنـــــــــــا :
ومالي لا ألقى زمـــــــاني بمغدق
من الفال ما استقبلت منه ومامرا
فما العيش لــولا الفال إلا منغص
بجيش همـــــــوم كل آونة تترى
والأبيات كثيرة لكنني أكتفي بهذا القدر …
أرجوا الله عز وجل أن يلهمنا الصبر في الدنيا
“بسم الله الرحمن الرحيم”
“يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على ادباركم فتنقلبوا خاسرين * قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون * قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما أدخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين * قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب انت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون * قال رب إني لا املك إلا نفسي وأخي فاقرق بيننا وبين القوم الفاسقين * قال فإنها محرمة عليهم اربعين سنة يتيهون في الارض فلا تأس علي القوم الفاسقين ” صدق الله العظيم . الاية 25سورة المائدة .
اجب عن الاسئلة الاتية ..
1 *هل تعلم ما هي “الارض المقدسة” ؟
2 *من المقصودين بكلمة “التي كتب الله لكم” ؟
3 *من هم القوم الجبارين ؟
4 *وكيف سيخرجوا منها ؟
5 *هل نحن من الذين نخاف انعم الله علينا؟
6 *هل يوجد تفسير لمعني قوة ارادة الشعوب اكثر من “أدخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموة فإنكم غالبون ؟
7 *”وعلي الله فتوكلوا أن كنتم مؤمنين” من هم المؤمنين؟ هل نحن منهم؟
8 *”فاذهب انت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون” هل انت ستذهب مع ربك ام ستكون مع القاعدون؟
9 *لماذا قال نبي الله” فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين” ولماذا قال الله ” فلا تأس علي القوم الفاسقين”؟
10*كم عدد السنين الذي كنا تائهين فيها في الاض منذ تقسيم وتفريق الدول العربية بعد ما كنا وطن عربي واحد؟
11*هل تكفي هذة السنين التي تهنا فيها ؟ هل تعرف اصلا ان العرب الان تائهين في الارض؟
12*ما معني كلمة دول العالم الثالث ؟
13*هل سيتحد العرب من جديد دولة عربية واحدة ” الولايات العربية المتحدة” ام ستظل الاض المقدسة محرمة علينا أكثر من ذلك؟
14*لماذا قال الله لمن يرتدوا علي ادبارهم “فتنقلبوا خاسرين”؟
15*هل رايت خسائر في الارواح و الحقوق الانسانية والكرامة وخسائر في جميع المجالات علي مر العصور والتاريخ اكثر مما نحن فيه الان؟
16* هل تعلمنا شيئ من الثورة المصريه 25 يناير والثورة التونسية؟ هل هذا هو الوقت المناسب لاتحاد العرب امام اليهود وأوليائهم من زعماء الحكومات العربية؟
17* لماذا انتصر نبي الله موسي رغم انه ” قال رب إنى لا املك إلا نفسي واخي”؟
*عندي اجابة واحدة لكل هذة الاسئلة.
“اذا اتحد العرب وخافوا انعم الله عليهم فلم يتوهوا في الارض مرة اخري وسندخل الارض المقدسه التي كتب الله لنا وسنكون نحن الغالبون, وهذا فقط ان كنا مؤمنين, اللهم افرق بيننا وبين القوم الفاسقين الذين باعوا بلادنا ومقدساتنا مقابل الكراسي والمناصب الزائلة ,واعلموا أن القوة والنصرمن عند الله ولا يعطيها سبحانة وتعالى الا للمؤمنين فقط اما القوم الفاسقين فيضربهم الله بالقوم الجبارين وسيظلون تائهين في الارض الي ان يصبحوا مؤمنين , فإن الله لايغير ما بقوما حتي يغيروا ما بانفسهم
قوله تعالى : وإذا فعلوا فاحشةً قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون )) ] الأعراف : 28 [ .
http://www.youtube.com/watch?v=1fAULsHuPHU
*********************************************************
قوله تعالى : ( قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين ( 53 ) قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين ( 54 ) قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين ( 55 ) ) سورة الأنبياء
http://www.youtube.com/watch?v=WOUxFURALqY
********************************************************************
قوله تعالى
* (قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه ءاباءنا وتكون لكما الكبريآء فى الارض وما نحن لكما بمؤمنين 79 يونس
http://www.youtube.com/watch?v=Fy38oSPEW6s
http://youtu.be/4Rnt5uc_0sE
http://www.youtube.com/watch?v=zMk7Q5N3gOc&feature=related